وهبة الزحيلي

21

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لليهود : « إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة » أي أن المشهور بين المفسرين أن اللّه تعالى رفع عيسى بروحه وجسده إلى السماء ، وقال الرازي : المراد رافعك إلى محل كرامتي ، وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم ، ومثله قوله تعالى عن إبراهيم : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [ الصافات 37 / 99 ] وإنما ذهب إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم من العراق إلى الشام ، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم ، وتدل الآية وَرافِعُكَ إِلَيَّ على أن الرفعة بالدرجة والمنقبة ، لا بالمكان والجهة ، كما أن الفوقية في قوله : وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [ آل عمران 3 / 55 ] ليست بالمكان ، بل بالدرجة والرفعة « 1 » . ثم دلل سبحانه وتعالى على قدرته على حماية عيسى من الصلب وإنقاذه من اليهود والروم الظالمين ورفعه إليه بقوله : وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً أي إن اللّه عزيز لا يغلب ، حكيم في صنعه وفي جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها . ويجازي كل عامل بعمله ، ومن جزائه لليهود في الدنيا ما أحل بهم من الذلة والمسكنة والتشريد في الأرض . هذه عقيدتنا في صلب المسيح ورفعه مستقاة من أوثق مصدر في الوجود وهو القرآن الكريم كلام اللّه ، المنقول إلينا بالتواتر ، فلا مجال لتصديق روايات أخرى لم تثبت صحتها ، بل إن ما فيها من تناقض واختلاف كثير يدل على الشك فيها ثم القطع بأنها ليست محل ثقة . ثم إن القول بعدم الصلب أكرم وأفضل لكرامة عيسى عليه السلام ، وأما القول بأنه صلب ليجعل نفسه فداء للبشرية والعالم ، وليكفر عن خطيئة آدم عليه السلام وخطايا أبنائه ، فهو من أوهام المسيحية ، ومن القصص الروائية في الأناجيل التي دونتها أيدي البشر ؛ لأن اللّه تعالى أناط التخلص من الخطيئة

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 8 / 69