وهبة الزحيلي

169

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : تضمنت آية المحاربة حكمين : حكم عقاب المحاربين ، وحكم التائبين . أما عقوبتهم في الدنيا : فهي القتل ، والصلب ، وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ، والنفي من الأرض أي الحبس أو الإبعاد من بلده إلى بلد آخر بينهما على الأقل مسافة قصر الصلاة المقدرة بحوالي 89 كم . ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل ، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل . ونصت الآية على عقوبة أخروية : وهي استحقاق العذاب في نار جهنم ، لعظم الجريمة ، واقتصر على وصف عقوبة الدنيا بالخزي أي الذل والفضيحة مع أن لهم فيها عذابا أيضا ، وعلى وصف عقوبة الآخرة بالعذاب العظيم مع أن لهم فيها خزيا أيضا ؛ لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها ، والعذاب في الآخرة أشد من خزيها . ويؤخذ من الجمع بين العقوبتين المذكورتين للمحاربين : أن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة ، فالحدود زواجر لا جوابر كما هو صريح الآية ، وهذا مذهب الحنفية . وقال الجمهور : الحدود جوابر أيضا ، أي أنها تجبر الذنوب وتكفرها ، لما رواه مسلم في صحيحة عن عبادة بن الصامت : « من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به فهو كفارة له ، ومن أصاب شيئا من ذلك ، فستره اللّه ، فأمره إلى اللّه : إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه » . وأما حكم التائبين قبل القدرة عليهم : فهو حكم سائر المجرمين العاديين ، فمن قتل يقتل أي يقتص منه ، ومن جرح يجرح ، أو يغرم الأرش ( التعويض المالي المقدر شرعا ) ومن سرق تقطع يده ، ومن سلب مالا رده ، ويجوز العفو حينئذ لأولياء الدم عنهم .