وهبة الزحيلي

162

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إلا حقوق اللّه وحدوده ، دون حقوق الآدميين ، كما ذكر السيوطي ، فإذا قتل قاطع الطريق أحدا ، وأخذ المال وتاب ، يقتل ويقطع ولا يصلب ، وهو أصح قولي الشافعي ، ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا ، وهو أصح قوليه أيضا . سبب النزول : نزلت هذه الآية في قطّاع الطرق ، لا في المشركين ولا في المرتدين ، كما قيل بكل ؛ فإن كلا منهما إذا تاب ، قبلت توبته ، سواء أكانت التوبة قبل القدرة عليهم أم بعدها ، أما قطاع الطريق فيسقط عنهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم . روى البخاري ومسلم عن أنس : أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتكلموا بالإسلام ، فاستوخموا المدينة « 1 » ، فأمر لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بزود من الإبل « 2 » وراع ، وأمرهم أن يخرجوا إلى الصحراء ، فيشربوا من أبوالها وألبانها ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة ، كفروا بعد إسلام ، وقتلوا الراعي - وفي رواية : مثّلوا به ، واستاقوا الزود من الإبل ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبعث في طلبهم ، فأتوا فأمر بهم ، فسملوا أعينهم « 3 » ، وقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وتركوا حتى ماتوا ، فنزلت الآية . وقيل : نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي ، وكان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهد على أنه لا يعينه ولا يعين عليه ، وأنه إن مرّ به أحد من المسلمين ، أو مرّ عليه من يقصد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتعرض له بسوء ، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم من بني هلال ، وكان هلال غائبا ، فقطعوا عليهم الطريق ، وقتلوا منهم ، وأخذوا أموالهم .

--> ( 1 ) وجدوها رديئة المناخ . ( 2 ) الزود : من ثلاثة إلى تسعة . ( 3 ) كحلوها بمسامير الحديد المحماة .