وهبة الزحيلي
150
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
3 - وإعطاؤهم ما لم يعط أحد من عالمي زمانهم . وقد أمرهم موسى بمجاهدة الأعداء من الكنعانيين الجبارين في فلسطين ، وبدخول الأرض المقدسة ( المطهرة أو المباركة ) فتمردوا وأبوا الدخول ، بالرغم من تبشير الرجلين الصالحين من النقباء ( يوشع وكالب ) لهم بالنصر والغلبة والفتح ، وقالا : ولا يهولنكم عظم أجسامهم ، فقلوبهم ملئت رعبا منكم ، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة . وتمادوا بعناد وإفراط على اللّه ، فرفضوا الدخول إلى الأرض المقدسة وقالوا لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وهذا منهم كفر ؛ لأنهم شكّوا في رسالة موسى . فدعا موسى عليه السلام عليهم ، وطلب فصل القضاء بينه وبينهم . فاستجاب اللّه دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة ، ومات هارون وموسى في التيه . روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ، فلما جاءه صكّه ففقأ عينه ، فرجع إلى ربه ، فقال : « أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت » قال : فرد اللّه إليه عينه وقال : « ارجع إليه ، فقل له : يضع يده على متن ثور ، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة » قال : « أي رب ثم مه » قال : « ثم الموت » قال : « فالآن » فسأل اللّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فلو كنت ثمّ ، لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر » . وفعل موسى مع الملك ؛ لأنه لم يعرفه ، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه ، يريد نفسه ، فدافع عن نفسه ، فلطم عينه ، ففقأها . وكان العقاب الإلهي لبني إسرائيل المتمردين عن الطاعة هو تصفيتهم وتجديد بنية الشعب ، وظهور جيل جديد من الشباب يتحملون المسؤولية ، وكانوا أهلا للجهاد ومقاومة الجبارين ، وجعلهم أئمة وارثين .