وهبة الزحيلي
147
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهذا دليل آخر على امتناعهم عن الدخول ، وعدم أحقيتهم بشيء من تراب فلسطين الطاهرة . قال رجلان من النقباء الذين يخافون اللّه تعالى - وقد أنعم اللّه عليهما بالهداية والإيمان والطاعة والتوفيق لما يرضيه ، والثقة بعون اللّه تعالى ، والاعتماد على نصرة اللّه ، وهما الرجلان الصالحان من قوم موسى : يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا - قالا : ادخلوا عليهم باب المدينة ، فإذا فعلتم ذلك نصركم اللّه ، وأيدكم بجنده ، وكنتم الغالبين . وإن توكلتم على اللّه واتبعتم أمره ووافقتم رسوله ، نصركم اللّه على أعدائكم وأيدكم ، ودخلتم البلد التي كتبها اللّه لكم ، والتوكل على اللّه صفة المؤمنين . ومع هذا كرر اليهود الرفض وأصروا على العناد والتمرد ، ولم تنفعهم عظة الرجلين الصالحين شيئا ، وقالوا يا موسى : لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ، وأبدا : تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول ، وقولهم : ما دامُوا فِيها بيان للأبد ، فاذهب أنت وربك الذي أمرك بالجهاد والخروج من مصر والإتيان إلى هنا ، فقاتلا الجبارين ، إنا هاهنا قاعدون عن الجهاد منتظرون . وهذا قول في غاية التنكر لموسى عليه السلام ، والبعد عن الأدب معه . فقال موسى غاضبا حزينا باثا شكواه إلى اللّه وحسرته ، معتذرا من عصيان قومه : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي أي لا يطيعني أحد منهم ، فيمتثل أمر اللّه ، ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون . وفي هذا إيماء إلى أنه لم يكن على ثقة من ثبات يوشع وكالب حال وجود العدد القليل ، فاقض وافصل بيني وبين هؤلاء الفاسقين الخارجين عن طاعتك ، فتحكم لنا بما نستحق ، وتحكم عليهم بما يستحقون .