وهبة الزحيلي
141
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ أي لئلا تحتجوا وتقولوا ، يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه : ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر ، فقد جاءكم بشير ونذير ، يبشر من أطاعه بالجنة وهو من آمن باللّه وعمل بما أمر به وانتهى عما نهى عنه . وينذر من عصاه وخالف أمر اللّه بالنار ، يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال الطبري : معناه : إني قادر على عقاب من عصاني ، وثواب من أطاعني « 1 » . ومن دلائل قدرة اللّه نصر نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإعلاء كلمته في الدنيا ، وعلو منزلته في الآخرة . فقه الحياة أو الأحكام : أثبتت الآية الأولى : لَقَدْ كَفَرَ . . . كفر النصارى بقولهم : إن اللّه هو المسيح ابن مريم ، أي يدينون له . وأعلمهم اللّه أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره ، وقد أمات أمه ، ولم يتمكن من دفع الموت عنها ، فلو أهلكه هو أيضا ، فمن يدفعه عن ذلك أو يرده ؟ ! والمسيح وأمه مخلوقان محدودان محصوران ، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للألوهية ، وإنما اللّه هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من النوعين والصنفين ، يخلق ما يشاء كخلق عيسى من أم بلا أب آية لعباده ، واللّه قادر على كل شيء . وأبطلت الآية الثانية : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى دعاوى اليهود والنصارى معزتهم وحظوتهم عند اللّه ، وأنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، فإن صح ما يزعمون فلم أنزل العذاب بهم في الدنيا من هزيمة وتخريب وتدمير ديارهم وتشريدهم ، وأعد لهم عذاب جهنم لكفرهم ومعاصيهم ، فليسوا إذن أبناء اللّه وأحباءه ؛ فإن الحبيب لا يعذب حبيبه ، وأنتم تقرّون بعذاب العصاة منكم ،
--> ( 1 ) تفسير الطبري : 6 / 108