وهبة الزحيلي

138

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والأرض وما بينهما من عالمي الإنس والجن ، وجميع الموجودات ملكه وخلقه . واللّه هو الذي يخلق الأشياء من العدم حسبما يشاء ، وعلى وفق حكمته وإرادته ، فقد يخلق من تراب من غير أب ولا أم مثل خلق أبينا آدم عليه السلام وخلق أصول أنواع الحيوان ، وقد يخلق من أب فقط دون أم كخلق حواء ، وقد يخلق من أم بلا أب مثل خلق عيسى عليه السلام . وهذا رد على شبهة النصارى الذين زعموا أن المسيح بشر وإله ، له طبيعة بشرية وطبيعة ناسوتية إلهية وهي الغالبة ، لكونه خلق على نحو غير معتاد من أم فقط ، ولأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ، وصدرت عنه أعمال عجيبة لا تصدر من بشر . وهي في الحقيقة معجزات خارقة للعادة يجريها اللّه على يد الأنبياء قاطبة ، وهي تحدث بإذن اللّه ومحض إرادته ، لتكون دليلا مؤيدا على صدق النبوات ، وصدور تلك المزايا من عيسى وغيره لا تجعل المخلوق خالقا ؛ لأنها بمشيئة الخالق . فقد أيد اللّه موسى عليه السلام بالعصا واليد البيضاء ؛ لأن السحر كان سائدا في عصره ، وأيد اللّه عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ؛ لأن الطب كان متقدما في زمنه ، وأيد اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بمعجزات كثيرة كانشقاق القمر ، وكانت معجزته الخالدة القرآن في أرقى مستوى من البلاغة والفصاحة ؛ لأنه بعث بين العرب الذين امتازوا بفصاحة القول نثرا وخطابة وشعرا ، فليس إحياء عيسى للموتى - وكان ذلك في حوادث فردية معدودة - سببا للتأليه ، فقد أقر بأنه عبد اللّه ورسوله ، وأنه يحيي الموتى بإذن اللّه ، أي بتوفيقه وإرادته وحكمته . واللّه هو القادر على كل شيء ، وهو خالق كل شيء ، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . ثم رد اللّه تعالى على ادعاء اليهود والنصارى القائلين : نحن أبناء اللّه وأحباؤه أي نحن منتسبون إلى أنبيائه ، وهم بنوه ، وله بهم عناية ، وهو يحبنا ، ونقلوا عن