وهبة الزحيلي
124
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بالتوراة التي فيها شريعتهم التي اختارها لهم ، وليقبلنها بجد ونشاط : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [ البقرة 2 / 63 و 93 ] ولا يزال هذا العهد في التوراة الحالية ، وأمرناه أن يختار اثني عشر نقيبا منهم ، يتولون أمور الأسباط ( كالقبائل في العرب ) ويرعونهم ، والنقباء : زعماء أو عرفاء أسباطهم الاثني عشر ، والنقيب : كبير القوم ، القائم بأمورهم الذي ينقّب عنها ، وعن مصالحهم فيها ، وبعثهم : إرسالهم لمقاتلة الجبارين في بيت المقدس . وتاريخ ذلك كما روى ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس : أنه لما نجا بنو إسرائيل من فرعون وصحبه ، أمرهم اللّه بالسير إلى بيت المقدس ، التي كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة ، وقال لهم : إني جعلتها لكم وطنا ، فأخرجوا إليها وجاهدوا من فيها ، وإني ناصركم ، ولما توجه موسى عليه السلام لقتال الجبابرة ، أمره اللّه أن يختار اثني عشر نقيبا منهم ، ويأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا بتنفيذ ما أمروا به ففعل ، فلما دنا من الأرض المقدسة بعث النقباء يستطلعون الأخبار ، فرأوا أجساما قوية ، وشوكة وقوة ، فهابوهم ورجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا ، وقد كان موسى نهاهم عن ذلك ، فنقضوا العهد إلا نقيبين ، وهما اللذان قال اللّه تعالى فيهما : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ « 1 » [ المائدة 5 / 23 ] . وَقالَ اللَّهُ : إِنِّي مَعَكُمْ أي وقال اللّه لموسى الذي بلغ الوحي إلى بني إسرائيل : إني معكم ، أي ناصركم وحافظكم ومعينكم ، ومطلع عليكم ، ومجازيكم على أعمالكم . وعاهدهم اللّه بالعهد الإلهي الشامل ومضمونه : لئن أقمتم الصلاة ، وأديتموها على الوجه الأكمل ، وأعطيتم زكاة أموالكم التي تزكو بها نفوسكم وتطهر ، وآمنتم
--> ( 1 ) التفسير الكبير للرازي : 11 / 184 ، تفسير ابن كثير : 2 / 32