وهبة الزحيلي
104
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لأن الإعسار في الآية الأولى علة الإنظار ( التأخير ) وبالميسرة تزول العلة ، فيطالب بالدين ، ولا داعي للإنظار معها ، ولأنه في الآية الثانية لو دخل الليل في حكم الصيام للزم الوصال ، وهو غير مشروع في حقنا . وقوله تعالى : إِلَى الْمَرافِقِ و إِلَى الْكَعْبَيْنِ لا دليل فيه على أحد الأمرين ، فقال الجمهور بوجوب غسل المرافق والكعبين ، احتياطا في العبادات ، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . والفرض الثالث - المسح بالرأس : وفي مقدار المسح خلاف ، فقال الشافعي : يكفي أقل ما يطلق عليه اسم المسح ، ولو شعرة في حد الرأس . وقال مالك وأحمد : يجب مسح كل الرأس أخذا بالاحتياط . وقال أبو حنيفة : الواجب مسح ربع الرأس ، لأن المسح إنما يكون باليد ، ومحلها يقدر في الغالب بالربع ، ولأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توضأ ومسح على ناصيته . لكن ثبت في السنة ما يؤيد أيضا مذاهب الأئمة الآخرين . والأظهر أن الباء للإلصاق ، وقيل للتبعيض ، والحق أن هذا مجمل يرجع في بيانه إلى السنة . وقد قال المالكية والحنابلة : الباء هنا زائدة ، لأن التركيب يدل على وجوب مسح كل الرأس ، فيمسح الكل احتياطا . وقال الحنفية والشافعية : الباء هنا للتبعيض ، كما في قولنا : مسحت يدي بالحائط أي مسحت اليد ببعض الحائط ، فيحمل قوله : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ على بعض الرأس عملا بدلالة حرف الباء ، لكن الحنفية قدروا البعض بثلاث أصابع أو بربع الرأس . والشافعية قدروه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح . والجمهور على أن المسحة الواحدة تجزئ . وقال الشافعي : يمسح رأسه ثلاثا ، والأحاديث تدل على تكرار أفعال الوضوء ثلاثا ، أما المسح فلم يذكروا فيه