وهبة الزحيلي
10
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : بعد أن حذّر اللّه تعالى من مصاحبة الكفار ومصادقتهم ومناصحتهم ، وندّد بخصال المنافقين ، ونبّه المؤمنين إلى ما يباح إعلانه من سوء القول ، أوضح سبب كفر أهل الكتاب ، من طريق بيان ركني الإيمان وهما : الإيمان باللّه تعالى ، والإيمان بجميع الرّسل دون تفرقة بين رسول وآخر ، فمن آمن ببعض الرّسل وكفر ببعض آخر ، فهو من الكافرين الذين استحقّوا العقاب في نار جهنم . أي أنه تعالى لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب : اليهود والنصارى . التفسير والبيان : يتوعّد اللّه تعالى في هذه الآيات الكافرين به وبرسله ، من اليهود والنصارى ، حيث فرّقوا بين اللّه ورسله في الإيمان ، فآمنوا ببعض الأنبياء ، وكفروا ببعض ، تعصّبا وتمسّكا بالموروث ، واعتصاما بالأهواء والشهوات ، فاليهود آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدا عليهما الصّلاة والسّلام ، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فمن كفر بنبيّ من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء ، لأن الإيمان بسائر الأنبياء واجب ، فمن ردّ نبوّة نبيّ للحسد أو العصبيّة أو التّشهي ، تبيّن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا ، إنما هو عن غرض وهوى وعصبيّة . ولهذا قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فوسمهم بأنهم كفار باللّه ورسله ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي في الإيمان وَيَقُولُونَ : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي طريقا ومسلكا وسطا بين الإيمان والكفر ، ودينا مبتدعا بين الإسلام واليهودية ، هؤلاء أخبر تعالى عنهم فقال : أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا أي كفرهم محقّق لا محالة بمن ادّعوا الإيمان به ، لأنه ليس شرعيّا ، إذ لو كانوا مؤمنين به