وهبة الزحيلي
83
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المسجد » ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا ، رجاء أن تنزل لهم رخصة ، فخرج إليهم بعد ، وقال : « وجهوا هذه البيوت ، فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض » ولم يستثن صلّى اللّه عليه وسلّم في آخر عمره إلا خوخة ( كوّة أو باب صغير ) أبي بكر رضي اللّه عنه . ثم نهى اللّه تعالى فقال : وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي ولا تقربوا الصلاة حال الجنابة إلا إذا كنتم عابري سبيل أي مجتازي الطريق . حَتَّى تَغْتَسِلُوا أي لا تقربوا الصلاة جنبا إلى أن تغتسلوا ، والغسل : أن يعم الماء جميع الجسد . ثم ذكر اللّه تعالى في هذه الآية وآية المائدة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة 5 / 6 ] أسبابا أربعة للتيمم وهي : المرض ، والسفر ، والحدث ( المجيء إلى الغائط ) وملامسة النساء . فإذا توافر أحد هذه الأسباب ، فاقصدوا صعيدا طيبا أي وجها ظاهرا من الأرض ، طاهرا غير نجس ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه إلى المرافق عند الجمهور ، وإلى الرسغين عند مالك ، ثم صلّوا . هذه رخصة التيمم لأصحاب الأعذار ، وسبب هذا الترخيص والتيسير هو أن اللّه عفوّ غفور ، أي ذو عفو ومغفرة أي ستر للذنوب ، أي لم يزل كائنا يقبل العفو وهو السهل ، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته فلا يعاقب . ويلاحظ أن قيد عدم وجود الماء راجع إلى قوله : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء 4 / 43 ] فتكون الأعذار ثلاثة : السفر والمرض وفقد الماء في الحضر ، أما الحدث فأمر مفروغ منه ، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم ، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء ، والسفر وحده عذر كاف في التيمم ، وجد الماء أو لم يوجد .