وهبة الزحيلي

72

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

السماوية ، ولو لم يكن كذلك لعرف حكمها من جهة العقل ، وإن لم ينزل به الكتاب . وهي مفتتحة بأمر اللّه تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص في عبادته ، وهي أصل في خلوص الأعمال للّه تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره ، قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف 18 / 110 ] . وتنهى الآية عن ضد التوحيد وهو الشرك ، وهو كما قال العلماء مراتب ثلاثة وكلها محرمة منكرة . الأولى - اعتقاد شريك للّه في ألوهيته ، وهو الشرك الأعظم شرك الجاهلية ، وهو المراد بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء 4 / 48 ] . الثانية - اعتقاد شريك للّه تعالى في الفعل : وهو القول بأن موجودا غير اللّه تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده ، وإن لم يعتقد كونه إلها ، كالقدرية مجوس هذه الأمة . وقد تبرأ منهم ابن عمر . الثالثة - الإشراك في العبادة وهو الرياء : وهو أن يفعل العبد شيئا من العبادات التي أمر اللّه بفعلها له لغيره . وهو الذي حرمته الآيات والأحاديث ، وهو مبطل للأعمال ، وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي . روى ابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه ، نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله للّه عز وجل أحدا ، فليطلب ثوابه من عند غير اللّه ، فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك » .