وهبة الزحيلي

51

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

النساء ( 11 ، 12 ، 176 ) وهم الأقارب من ذوي الفروض والعصبات وهم الأصول والفروع والحواشي والأزواج ، أما غيرهم فقد زال حكم توريثهم ، ولا مانع من الإيصاء لهم بشيء من المال ، سواء أكانوا حلفاء في الجاهلية ، أم إخوة متآخين بعد الهجرة ، أم أبناء بالتبني ( أدعياء ) . واحتج الحنفية بآية وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ على توريث مولى الموالاة ، فهي تدل على النصيب الثابت له المسمى في عقد المحالفة . وقوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ لم ينسخ هذا الحكم ، وإنما أولو الأرحام أولى من الحليف ، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة ، فالميراث للحليف الذي حالفه الشخص وجعله وارثا له . واحتجوا أيضا بما روي عن تميم الداري أنه قال : « يا رسول اللّه ، ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين ؟ قال : هو أولى الناس بمحياه ومماته » أي أولاهم بميراثه . وقال الجمهور : ميراث مولى الموالاة للمسلمين . وهو : من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده ، ثم مات ولا وارث له غيره ، لأن دلالة الآية على أن الحليف يرث متوقف على ثلاثة أمور : أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء ، وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث ، وأن تكون الآية محكمة غير منسوخة ، والمفسرون مختلفون في كل ذلك كما تقدم . وحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث فإنه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته ، ومع ذلك فهو معارض بما أخرجه مسلم والنسائي عن جبير بن مطعم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا حلف في الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة » « 1 » . فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة أوجه فالأولى الرجوع إلى ما قاله السلف كابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من أن الآية منسوخة بآية الأنفال .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 1 / 489 ، أحكام الجصاص : 2 / 187