وهبة الزحيلي
297
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
مراعاة لحق الصحبة ، وتحسنوا المعاشرة فيما بينكم ؛ وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ، فإن اللّه كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا عليما لا يخفى عليه شيء ، فيجازيكم ويثيبكم عليه . كان عمران بن حطّان الخارجي من أدمّ بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فأجالت في وجهه نظرها يوما ، ثم تابعت : الحمد للّه ، فقال : ما لك ؟ قالت : حمدت اللّه على أني وإياك من أهل الجنة ، قال : كيف ؟ قالت : لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت ، وقد وعد اللّه الجنة عباده الشاكرين والصابرين « 1 » . ثم بين اللّه تعالى أن تمام العدل وكماله وغايته في معاملة النساء محال ، فخفف اللّه التكليف بالعدل التام ، وطالب الرجال بقدر الاستطاعة ، فقال : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ لأن العدل في المعاملة يشمل أمورا مادية وغير مادية ، أما المادية فهي كالمبيت والنفقة والكسوة ، وأما غير المادية فهي كالحب والميل وغير ذلك مما يرجع إلى الشعور النفسي ، وأحاسيس النفس يصعب كبحها . فكلف اللّه ما يستطيعه الرجال وهو العدل المادي ، ورفع عنهم الحرج فيما لا يستطيعونه من الحب والاشتهاء وأحوال الجبلّة البشرية ، كما هو الشأن في سائر التكاليف ، فإن الحب والبغض ونحوهما لسنا مكلفين به . ولكن اللّه جعل التكليف بالمستطاع في معاملة النساء مشروطا بأن يبذلوا ما فيه ولوسعهم وطاقتهم ؛ لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم ، وما ربك بظلام للعبيد .
--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 428