وهبة الزحيلي
277
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أخاها ، فلا يذبحون أخاها من أجلها ، ولا تشرب لبنها النساء ، وكان للرجال ، وجرت مجرى السائبة . ولآمرنّهم فليغيرن خلق اللّه بخصي الدواب ، والوشم في الوجه ونحوهما مما فيه تشوية الفطرة وتغييرها عما فطرت عليه ، ثبت في الصحيح عند أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن مسعود أنه قال : « لعن اللّه الواشمات والمستوشمات ، والنامصات والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق اللّه عز وجل » ثم قال : ألا ألعن من لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو في كتاب اللّه عز وجل ، يعني قوله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر 59 / 7 ] . وقال جماعة من المفسرين : تغيير خلق اللّه معناه دين اللّه عز وجل ، كقوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم 30 / 30 ] وكما ثبت في الصحيحين : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه ، أو ينصرانه ، أو يمجّسانه ، كما تولد البهيمة جمعاء ، هل تجدون بها من جدعاء » « 1 » . ومن يتخذ الشيطان وليا يتولى أمره وإماما يقتدي به ، فقد خسر خسرانا ظاهرا في الدنيا والآخرة ، بل إنه خسرهما في الواقع ، وتلك خسارة لا جبر لها ، ولا استدراك لفائتها ، وأي خسران أعظم من ترك هدي القرآن واتباع أساليب الشيطان ؟ ! الشيطان يعد أولياءه الباطل ، ويمنيهم بما هو كاذب ، يعدهم بالفقر والمرض والتخلف عن ركب التقدم إذا أنفقوا شيئا من أموالهم في سبيل اللّه ، ويعدهم الغنى والثروة بالقمار مثلا ، ويمنيهم بأنهم الفائزون في الدنيا والآخرة ، وقد كذب وافترى في ذلك .
--> ( 1 ) الجمعاء : السليمة الأعضاء ، والجدعاء : مقطوعة الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة .