وهبة الزحيلي
267
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
مَنْ أَمَرَ في وضع نصب على الاستثناء المنقطع ، وإن جعلت بمعنى الجماعة الذين يتناجون كان مِنْ في موضع جر على البدل من الهاء والميم في نَجْواهُمْ وهو بدل بعض من كل . المفردات اللغوية : نَجْواهُمْ النجوى : المسارّة بالحديث أو السر بين اثنين ، أي لا خير في كثير من نجوى الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون إلا نجوى من أمر بصدقة أو معروف ( عمل بر ) أو إصلاح بين الناس . ويصح كونه جمع نجي بمعنى جماعة المتناجين ، أي المتسارّين أَوْ مَعْرُوفٍ ما يقره الشرع والعقل الصحيح وتتلقاه النفوس بالقبول ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ اللَّهِ لا غيره من أمور الدنيا . وَمَنْ يُشاقِقِ يعادي ويخالف ، كأن كل واحد من المتعاديين يكون في شق . سبب النزول : نزلت في تناجي أهل طعمة بن أبيرق ليلا بالفساد وتعاونهم على الشر وإلصاق تهمة السرقة باليهودي . وروي أن طعمة لما حكم عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالقطع ، هرب إلى مكة ، وارتد عن الإسلام ، ومات مشركا ، فنزلت الآية : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ . . . الآية . المناسبة : موضوع الآيتين متصل بما قبلهما وهو أمر الذين يختانون أنفسهم ، ويستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه وهم طعمة بن أبيرق ومساعدوه الذين تآمروا في السر لإيقاع البريء بالسرقة ، فبيّن اللّه تعالى هنا أن كل حديث سري أو تدبير خفي أو مناجاة لا خير فيه إلا ما كان بقصد التعاون أو الأمر بالمعروف أو الإصلاح ، ثم ذكر اللّه تعالى أن مخالفة أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم واتباع غير سبيل جماعة المؤمنين جرم عظيم يستوجب دخول نار جهنم .