وهبة الزحيلي

242

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يودّون ويتمنّون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم بسبب انشغالكم بالصلاة ، فينقضّون عليكم ويميلون ميلة واحدة أو حملة واحدة بالقتل والنّهب ، واللّه يريد لكم الفوز والنصر ، فيحذركم ويأمركم بالاستعداد الدائم . ثم أبان الأعذار التي يشقّ معها حمل السلاح ، فذكر : ولا إثم عليكم في وضع أسلحتكم إذا أصابكم أذى من مطر أو مرض أو عذر ، ولكن مع أخذ الحذر والاستعداد للعدوّ ؛ لأن العدوّ ينتظر أي فرصة من الضعف ، ويراقب تحركاتكم ، فاحذروه ولا تغفلوا عنه . إن اللّه أعدّ للكافرين عذابا شديد الإهانة في الدّنيا والآخرة . أما في الدّنيا فهو تغلّب المسلمين عليهم ، وأما في الآخرة فهو العذاب الخالد في نار جهنم ، وهذا وعيد للكفار بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم ، لكن الحذر مطلوب من المؤمنين أخذا بسنّة اللّه في اتباع المسببات الأسباب ، حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانبا . وقد روى الجماعة إلا ابن ماجة عن سهل بن أبي حثمة عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم ذات الرقاع : « أن طائفة صفت مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وطائفة وجاه العدوّ ( أي جهته ) فصلّى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائما ، فأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وجاه العدوّ . وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الرّكعة الثانية التي بقيت من صلاته ، فأتمّوا فسلّم بهم » . فإذا أدّيتم الصلاة أي صلاة الخوف على هذه الصورة ، فاذكروا اللّه تعالى في أنفسكم ، بتذكّر نعمه ووعده بنصر من ينصرونه في الدّنيا ونيل الثواب في الآخرة . وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء ، فذكر اللّه مما يقوي القلب ، ويعلي الهمّة ، وبالثبات والصبر يتحقق النصر ، كما قال تعالى : إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الأنفال 8 / 45 ] .