وهبة الزحيلي
212
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وأثبت فقهاء الأمصار وجمهور أئمة المذاهب شبه العمد بما روى أبو داود من حديث عبد اللّه بن عمرو : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ألا إن دية الخطأ شبه العمد : ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ، منها أربعون في بطونها أولادها » لكنه حديث مضطرب عند المحدثين . ذكر ابن عبد البرّ أنه لا يثبت من جهة الإسناد . واختلف القائلون بشبه العمد في تحديده وبيان ما هو عمد على أقوال ثلاثة : الأوّل - قال أبو حنيفة : العمد : ما كان بالحديد ، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد « 1 » . الثاني - قال أبو يوسف ومحمد : شبه العمد ما لا يقتل مثله . الثالث - قال الشافعي : ما كان عمدا في الضرب ، خطأ في القتل ، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل ، فتولد عنه القتل . وأما الخطأ فما كان خطأ فيهما جميعا ، وأما العمد : فما كان عمدا فيهما جميعا . ويعتمد الفقهاء في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل ؛ لأن نيّة القاتل لا اطلاع لنا عليها ، فأقيمت الآلة مقام النيّة . وكان الأولى هو البحث عن ظروف القتل وقرائن الأحوال لتعلم نيّة القاتل أهو عمد أم مخطئ . واختلفوا في الدّية المغلظة على القتل شبه العمد : فقال عطاء والشافعي ومالك في المشهور عنه ، فيما يقول فيه بشبه العمد ، وهو قتل الوالد ولده : هي ثلاثون حقّة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة « 2 » .
--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص الرازي : 1 / 228 وما بعدها . ( 2 ) الحقّة : إذا دخلت الناقة في السنة الرابعة ، والجذعة : إذا دخلت في السنة الخامسة . والخلفة . الحامل . وابنة المخاض : ما كان لسنة ، وابنة اللبون : ما كان لسنتين .