وهبة الزحيلي
192
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التفسير والبيان : يخاطب اللّه المؤمنين مستنكرا عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين ، مع قيام الأدلة عليه ، فما لكم اختلفتم في شأنهم فئتين : فئة تزكيهم وتشهد لهم بالخير ، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر ؟ والحال أنهم كافرون ، صرفهم اللّه عن الحق وأوقعهم في الضلال ، بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول ، واتباعهم الباطل ، ومعاداتهم المسلمين وبغضهم والتآمر عليهم ، وعدم هجرتهم من مكة إلى المدينة ، فكأنهم نكسوا على رؤوسهم ، وصاروا يمشون على وجوههم ، لفساد فطرتهم ، كما قال اللّه تعالى : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟ [ الملك 67 / 22 ] . ومعنى قوله : أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بسبب ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ . . أي هل تريدون إعادتهم إلى هداية الإسلام مع أنهم ضالون بأنفسهم ؟ ومن يكون ضالا عن طريق الحق ، فلن تجد له طريقا للعودة إليه ، أي لا طريق لهم إلا الهدى ولا مخلص لهم إليه ؛ لأن سبيل الحق واضح وهو التزام منهج الفطرة ، وهداية العقل الرشيد ، والتفكير المجرد غير المتحيز في الخير والشر ، والنافع والضار ، والحق والباطل . ثم ذكر اللّه تعالى موقفا غريبا لهم وهو أنهم يتمنون الضلالة لكم ، لتستووا أنتم وإياهم فيها ، ليقضى على الإسلام كله ، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم ، وتماديهم في الكفر ، حيث لا يكتفون بضلالهم وكفرهم وغوايتهم ، بل يتأملون إضلال غيرهم . لذا حذر اللّه المؤمنين من مكائدهم وسعاياتهم هذه ، فلا تتخذوا منهم أنصارا يساعدونكم على المشركين الوثنيين ، حتى يدل الدليل الواضح على إيمانهم