وهبة الزحيلي
170
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وعجنه ، فهو مجرّد اجتهاد برأيه ، لا تجب طاعته فيه . وكان الصحابة رضي اللّه عنهم إذا شكّوا في الأمر ، أهو وحي من عند اللّه أم اجتهاد من الرّسول ؟ سألوه ، فإن كان وحيا أطاعوه بلا تردّد ، وإن كان رأيا من عنده ، ذكروا رأيا آخر وأشاروا بما هو أولى ، كما حدث في غزوتي بدر وأحد ، وربما رجع إلى رأيهم . ومن أعرض عن طاعتك خاب وخسر ، وليس عليك من أمره شيء ، وليس لك أن تكرهه على ما تريد ، إن عليك إلا البلاغ ، لست عليهم بمسيطر ، والخسران لاحق به ، كما جاء في الحديث الصحيح : « من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ، ومن يعص اللّه ورسوله ، فإنه لا يضر إلا نفسه » . ثم أخبر اللّه تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة ، فيقولون : أمرنا طاعة لك ، أو أمرك طاعة أي أمرك مطاع ، نفاقا وانقيادا ظاهرا ، فإذا خرجوا من مكانك وتواروا عنك ، دبروا ليلا فيما بينهم رأيا غير ما أظهروه لك . روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس أنه قال : هم ناس يقولون عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : آمنا باللّه ورسوله ، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ، وإذا برزوا من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده ، فعاتبهم اللّه على ذلك . واللّه يعلم ما يبيتون ، ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذين هم موكلون بالعباد . والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم ، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعصيانه ، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة ، وسيجزيهم على ذلك . فأعرض عنهم ، أي اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم ولا تهتم بمؤامراتهم ، ولا تكشف أمورهم للناس ، ولا تخف منهم أيضا . وتوكل على اللّه أي فوض الأمر