وهبة الزحيلي
147
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
صلحت سرائرهم وعلانيتهم ، واللفظ يعم كل صالح وشهيد ، فالمطيع يكون مع هؤلاء في دار واحدة ونعيم واحد ، يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم ، لا أنهم يساوونهم في الدرجة ، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء ، وكل واحد فيها راض بحاله . ثم أثنى اللّه تعالى عليهم فقال : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً أي أن الأصناف الأربعة يكونون رفقاء له من شدة محبتهم إياه وسرورهم برؤيته . ورفيقا بمعنى المرافق والمراد به الجمع وهو رفقاء ، فكأن المعنى : وحسن كل واحد منهم رفيقا ، مثل : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ الحج 22 / 5 ] أي نخرج كل واحد منكم طفلا . ويؤيد الآية : ما رواه الطبراني مرفوعا : « من أحب قوما ، حشره اللّه معهم » و ما أخرجه الشيخان عن أنس : « المرء مع من أحب » والمحبة تقتضي الطاعة ، كما قال اللّه تعالى : قُلْ : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ . . [ آل عمران 3 / 31 ] . هذا الجزاء لمن يطيع اللّه والرسول هو الفضل الإلهي العظيم ، واللّه أعلم بمن يستحقه ، فهو أعلم بمن اتقى ، وكفى به سبحانه عليما بالأتقياء المطيعين ، وبالعصاة المنحرفين ، وبالمنافقين المرائين . والآية إخبار من اللّه تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم ، بل نالوها بفضل اللّه تعالى وكرمه . فليحذر المنافقون المصير المشؤوم إن لم يصلحوا حالهم ، وليهنأ المؤمنون الطائعون الصادقون بفضل اللّه ونعمته ، وليفرحوا بما أثابهم به . فقه الحياة أو الأحكام : لمّا ذكر اللّه تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه ، لأنعم عليهم ، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله .