وهبة الزحيلي
129
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وكذلك تجب طاعة أهل القرآن والعلم أي الفقهاء والعلماء في الدين . وقال ابن كيسان : هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس . والأصح الرأي الأول ؛ لأن أصل الأمر من العلماء والحكم إليهم . والعقل وإن كان مؤيدا للدين وعمادا للدنيا ، فلا يتفق مع ظاهر اللفظ . فإن حدث التنازع بين الأمة وبين الأمراء ، رد الحكم إلى كتاب اللّه ، أو إلى رسوله بالسؤال في حياته ، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك نظير قوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النساء 4 / 83 ] وقوله : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ النور 24 / 63 ] ومدعاة ذلك : الإيمان باللّه وباليوم الآخر ، وعاقبة الرجوع إلى القرآن والسنة ومآله أو مرجعه هو خير من التنازع . واستنبط العلماء من هذه الآية أن مصادر التشريع الأصلية أربعة وهي : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ؛ لأن الأحكام إما منصوصة في كتاب أو سنة ، وذلك قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ والسنة : هي ما أثر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قول أو فعل أو تقرير ، وإما مجمع عليها من أهل الحل والعقد من الأمة بعد استنادهم إلى دليل شرعي اعتمدوا عليه ، وذلك قوله : وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها ، وهذه سبيلها الاجتهاد والقياس : وهو عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد العامة في الكتاب والسنة ، وذلك قوله : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ . وأما المصادر التبعية الأخرى كالاستحسان الذي يقول به الحنفية ، والمصالح المرسلة التي يقول بها المالكية ، والاستصحاب الذي يقول به الشافعية ، فهي في الحقيقة راجعة إلى المصادر الأربعة الأصلية .