وهبة الزحيلي
126
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ومن هم أولو الأمر ؟ ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم الحكام أو أمراء السرايا . وذهب آخرون إلى أنهم العلماء الذين يبينون للناس الأحكام الشرعية . وذهب الشيعة الإمامية إلى أنهم الأئمة المعصومون . والظاهر إرادة الجميع ، فتجب طاعة الحكام والولاة في السياسة وقيادة الجيوش وإدارة البلاد ، وتجب إطاعة العلماء في بيان أحكام الشرع ، وتعليم الناس الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال ابن العربي : والصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعا ، أما الأمراء فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم . وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق ، وجوابهم لازم ، وامتثال فتواهم واجب « 1 » . ويرى الفخر الرازي أن المراد من أولي الأمر : أهل الحل والعقد ، ليستدل بالآية على حجية الإجماع الصادر من العلماء . فإن حدث تنازع واختلاف بينكم وبين أولي الأمر منكم في شيء من أمور الدين ، ولم يوجد نص في القرآن ولا في السنة ، يرد الأمر المتنازع فيه إلى القواعد العامة المقررة في القرآن والسنة ، فيؤخذ بما يوافقهما ، ويرد ما يخالفهما ، وهذا ما يسمى في علم أصول الفقه بالقياس . وقد أقر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العمل بالقياس ، فحينما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيا قال له : كيف تقضي إن عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بكتاب اللّه ، قال : فإن لم يكن في كتاب اللّه ؟ قال : أقضي بسنة نبي اللّه ، قال : فإن لم يكن في كتاب اللّه وسنة رسول اللّه ؟ قال : أجتهد رأيي لا آلو . قال : فضرب رسول اللّه على صدره ، وقال : الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه إلى ما يرضي رسول اللّه « 2 » .
--> ( 1 ) أحكام القرآن : 1 / 452 ( 2 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن عدي والطبراني والدارمي والبيهقي .