وهبة الزحيلي
114
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة ، فليقل : أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك ، وحسيبه اللّه ، ولا يزكّي على اللّه أحدا » . و في حديث آخر : « قطعتم ظهر الرجل » حين وصفوه بما ليس فيه . وعلى هذا تأوّل العلماء قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة : « احثوا التراب في وجوه المدّاحين » : أن المراد بهم المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم ، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يفتنون به الممدوح . أما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ، ليكون منه ترغيبا له في أمثاله ، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه ، فليس بمدّاح ، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه . وهذا راجع إلى النّيّات ، وقال اللّه تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [ البقرة 2 / 220 ] . وقد مدح صلّى اللّه عليه وسلّم في الشعر والخطب والمخاطبة ، ولم يحث في وجوه المدّاحين التراب ، ولا أمر بذلك ، كقول أبي طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى ، عصمة للأرامل وكمدح العباس وحسّان له في شعرهما ، ومدح كعب بن زهير . ومدح هو أيضا أصحابه فقال : « إنكم لتقلّون عند الطمع ، وتكثرون عند الفزع » . وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في صحيح الحديث : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، وقولوا : عبد اللّه ورسوله » فمعناه لا تصفوني بما ليس فيّ من الصفات ، تلتمسون بذلك مدحي ، كما وصف النصارى عيسى بما لم يكن فيه ، فنسبوه إلى أنه ابن اللّه ، فكفروا بذلك وضلّوا .