وهبة الزحيلي

101

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

البلاغة : نَطْمِسَ وُجُوهاً استعارة ، شبه مسخ الوجوه بالصحيفة المطموسة التي أشكلت حروفها وغمضت سطورها . يوجد طباق بين وُجُوهاً . . . أَدْبارِها . ويوجد جناس اشتقاق في نَلْعَنَهُمْ . . لَعَنَّا . المفردات اللغوية : أُوتُوا الْكِتابَ التوراة نَطْمِسَ الطمس : الإزالة ، والمراد به هنا : محو آثار الإنسانية بإزالة ما في الوجوه من العين والأنف والحاجب ، وترددت الكلمة في القرآن ، مثل : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [ يونس 10 / 88 ] أي أزلها وأهلكها ، ومثل : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ [ يس 36 / 66 ] إما بإزالة نورها ، وإما بمحو حدقتها وُجُوهاً جمع وجه : وهو الوجه المعروف ، وطمسها : هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم ، أو المراد : ألا نبقي لها سمعا ولا بصرا ولا أنفا . وقال ابن عباس : وطمسها : أن تعمى . وقد يطلق الوجه على اتجاه النفس : وهو ما تتوجه إليه من المقاصد ، كما قال تعالى : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [ آل عمران 3 / 20 ] . وقال : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ [ لقمان 31 / 22 ] . وقال : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [ الروم 30 / 30 ] . فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الأدبار : جمع دبر ، وهو الخلف والقفا . والرد على الأدبار : جعلها كالأقفاء لوحا واحدا . ويستعمل الرد على الأدبار إما في الحسيات وهو الهزيمة أو الفرار في القتال ، وإما في المعنويات : وهو الرجوع إلى الوراء أي العودة إلى الكفر ، كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ، الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ [ محمد 47 / 25 ] . أَوْ نَلْعَنَهُمْ أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت قردة وخنازير ، وقيل : أو نهلكهم ، كما أهلكنا أصحاب السبت . سبب النزول : أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال : كلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رؤساء من أحبار اليهود ، منهم عبد اللّه بن صوريا وكعب بن أسد ، فقال لهم : « يا معشر يهود ، اتقوا اللّه ، وأسلموا ، فو اللّه إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق » فقالوا :