وهبة الزحيلي
88
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وأثر عن عائشة رضي اللّه عنها أن خادما لها أغاظها فقالت : للّه درّ التّقوى ، ما تركت لذي غيظ شفاء . 3 - والعافين عن الناس أي الذين يتسامحون ويعفون عمن أساء إليهم مع القدرة على ردّ الاعتداء ، وتلك منزلة ضبط النفس التي تدلّ على سعة العقل ورجاحة الفكر وقوة الإرادة ومتانة الشخصية ، وهي أرقى من كظم الغيظ ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة ، وهذا مثل قوله تعالى : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ الشورى 42 / 37 ] ، وروى الحاكم والطبراني عن أبي بن كعب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سرّه أن يشرف له البنيان ، وترفع له الدّرجات ، فليعف عمن ظلمه ، ويعط من حرمه ، ويصل من قطعه » « 1 » . و عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول : أين العافون عن الناس ؟ هلموا إلى ربّكم ، وخذوا أجوركم ، وحقّ على كلّ امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة » . وفي هذا إشارة إلى عفو النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الرّماة الذين خالفوا أمره في غزوة أحد ، وإلى تركه مجازاة المشركين بما فعلوه بحمزة رضي اللّه عنه حين قال - وقد رآه مثّل به كما جاء في السيرة - : « والذي نفسي بيده لأمثّلنّ بسبعين منهم » . 4 - واللّه يحبّ المحسنين : الذين يقابلون الإساءة بالإحسان ، إما بإيصال النّفع لمن أساء ، وإما بدفع الضّر عنه في الدّنيا بألا يقابل الإساءة بمثلها ، أو في الآخرة بالعفو عماله عند النّاس من الحقوق . وهذه مرتبة هي أعلى المراتب السابقة . أخرج البيهقي أنّ جارية لعلي بن الحسين رضي اللّه عنه جعلت تسكب عليه الماء ، ليتهيأ للصّلاة ، فسقط الإبريق من يدها فشجّه ، فرفع رأسه ، فقالت : إن اللّه يقول : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال لها : قد كظمت غيظي ،
--> ( 1 ) قال الحاكم : هو صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .