وهبة الزحيلي
69
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وكاد النصر يتحقق للمسلمين ، لولا أن الرماة على ظهر الجبل خالفوا أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وانحدروا يجمعون الغنائم ، وفارقوا مكانهم . ففطن خالد بن الوليد لمكان الضعف ، فبادر من قناة مع خيل المشركين إلى تطويق المسلمين من أعلى جبل الرماة من الخلف ، وانقض مع جيشه يفتك بالمسلمين ، وشاع بين الناس أن محمدا قد قتل ، فتراجع المسلمون ، وهربوا ، وأصيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالحجارة ، حتى وقع لشقه ، فكسرت رباعيته ، وشج في رأسه ، وجرحت شفته ، وسال الدم على وجهه ، وغاب حلق المغفر في وجنتيه ، وأصيبت ركبتاه ، وجعل يمسح الدم ويقول : « كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ، وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ ! » وأخذ بيده علي ورفعه طلحة حتى قام ، ومص مالك بن سنان الدم عن وجهه صلّى اللّه عليه وسلّم وابتلعه . ثم أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو المسلمين في أخراهم ، ويقول : « إليّ عباد اللّه ، أنا رسول اللّه : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ، فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [ آل عمران 3 / 153 ] . وصار أبو سفيان يقول : يا معشر قريش ، أيكم قتل محمدا ؟ فقال عمر بن قميئة : أنا قتلته . وكان كعب بن مالك أول من بشر بنجاة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسلمه اللّه من أذى المشركين : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة 5 / 67 ] . ولم يقتل صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته سوى أبي بن خلف الذي تآمر على قتل النبي وفيه نزلت آية : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال 8 / 17 ] . وكان يوم بلاء شديد على المسلمين ، استشهد فيه منهم سبعون رجلا ، وعدة قتلى المشركين اثنان وعشرون رجلا . ووجد في ساحة المعركة حمزة سيد الشهداء ، وكانت هند بنت عتبة قد بقرت كبده ولاكتها ، ولم تستسغها ، وصرخ أبو سفيان بأعلى صوته : الحرب