وهبة الزحيلي

66

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

بقصد الحصار الاقتصادي ، وتعويض المسلمين ما صادره لهم القرشيون في مكة من أموال وعقارات وممتلكات . وقد عزّ على المكيين هذا الحادث ، وأحسوا بالخطر على وجودهم ، وشعروا بقوة المؤمنين في المدينة ، وملأ الحقد والعزة بالإثم صدورهم . فحشدوا قواهم من قبائل العرب ، ولم يتخلف من قريش إلا القليل النادر ، وكان عددهم ألفا وزيادة ، فيهم الفرسان والأبطال وصناديد قريش . فلما سمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استشار أصحابه ، ثم خرج إليهم مسرعا في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، لم يكن معهم إلا فرسان وسبعون بعيرا ، والباقون مشاة ليس معهم من العدد ما يحتاجون إليه . وتقابل الجيشان في بدر : وهي بئر بين مكة والمدينة ، كانت لرجل يسمى بدرا ، فسمي به الموضع ، والأكثر على أنه ماء هنالك ، وبه سمي الموضع . وانجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين ، وكارثة كبري على المشركين ، وكانت معركة حاسمة قررت مصير الفريقين ، وأحدثت دويا هائلا بين العرب ، فسماها اللّه تعالى يَوْمَ الْفُرْقانِ فقال : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [ الأنفال 8 / 41 ] . فيها انتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ وأمد اللّه تعالى فيها المؤمنين بالملائكة يقاتلون مع المسلمين ، وظهر فيها مدى ثبات المسلمين وجرأتهم النادرة ، واشترك فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقاتل - وكان اشتراكه في تسع غزوات - وبرز فيها عنصر الإيمان والعقيدة والتوكل على اللّه في قلب المعركة وأثناء المشاركة بالسلاح ، وتمثل ذلك بدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبيل التحام الصفين فقال : « اللهم ، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض ، اللهم أنجزني ما وعدتني ، اللهم نصرك » ورفع يديه إلى السماء ، حتى سقط الرداء عن منكبيه ،