وهبة الزحيلي
56
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ولا يصح أن تكون القرابات والصداقات والعهود والمحالفات والجوار والرضاع والمصاهرة وغير ذلك سببا في توطيد الصلات والثقة بالأعداء . التفسير والبيان : أيها المؤمنون باللّه ورسوله ، وشأن الإيمان السماع إلى الكلام ، لا تتخذوا الكافرين من اليهود والنصارى والمنافقين بطانة أي أصدقاء وخواص ومستشارين ، تطلعونهم على أسراركم ودخائلكم ، لأسباب عديدة هي : 1 - لا يقصرون في إضراركم وإفساد أموركم ، ما استطاعوا ذلك . 2 - يتمنون إلحاق الضرر والمشقة والهلاك بكم في دينكم ودنياكم . 3 - يظهرون لكم العداوة والبغضاء أثناء الكلام وعلى صفحات الوجوه وفلتات اللسان ، ويكذبون كتابكم ونبيكم . 4 - ما تخفي صدورهم من الحسد والحقد والبغضاء للإسلام وأهله أشد وأكثر مما يظهرون . وهذا النهي المطلق الذي له أمثال كثيرة في القرآن الكريم ، يوضحه ويقيده آيتا الممتحنة : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الممتحنة 60 / 8 - 9 ] . فإذا اطمأن الحاكم أو الإمام المسلم إلى موادة غير المسلمين ، ووثق بهم ، جاز التعاون معهم ، كما حدث من عون اليهود للمسلمين في فتوح الأندلس ، وكما وقع من القبط ، إذ عاونوا المسلمين في فتح مصر . وجاز توظيفهم في أعمال الدولة الإسلامية ، فقد جعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رجال دواوينه من الروم ، وتابعه الخلفاء من بعده على هذا النهج ، وأناط العباسيون أعمال الدولة باليهود