وهبة الزحيلي

34

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهذا الوعيد لأهل الكتاب يقابل الوعد بالفلاح والنّجاة والفوز لأهل الإيمان ، والاختلاف المنهي إنما هو الاختلاف في أصول الدّين وتحكيم الهوى والمصلحة الشخصية في القضايا العامة . أما الاختلاف في الفروع المذهبية والاجتهادات الجزئية ، كاختلاف المذاهب في كثير من تفاصيل العبادات والمعاملات ، فليس مذموما لتعدد المفاهيم المستوحاة من النّصّ القرآني ، وتعدّد أفعال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكيفيّة ثبوت الأخبار والرّوايات . وزمان العذاب للكفار هو يوم القيامة ، يوم تبيضّ وتشرق وتسرّ وجوه المؤمنين كما في آية أخرى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة 75 / 22 - 23 ] وتسودّ وجوه المختلفين الذين لم يتواصوا بالحقّ والصّبر من أهل الكتاب والمنافقين حينما يرون ما أعدّ لهم من العذاب الدّائم ، وذلك مثل قوله تعالى : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [ القيامة 75 / 24 - 25 ] ، وقوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [ عبس 80 / 40 - 41 ] ، وقوله : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ، ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [ يونس 10 / 27 ] . ثمّ أوضح اللّه تعالى مصير الفريقين ، فبيّن سوء حال الفريق الثاني ثمّ حال الفريق الأوّل على طريقة اللّف والنّشر المشوش ، أمّا الذين اسودّت وجوههم بسبب تفرّقهم واختلافهم ، فيوبخهم تعالى ويؤنّبهم بقوله : أكفرتم بالرّسول محمد بعد إيمانكم به ، فقد كنتم على علم ببعثته ، ولديكم أوصافه والبشارة به ؟ ولكن كفرتم به حسدا وحقدا ، فكان جزاؤكم أن تذوقوا العذاب بكفركم . وأمّا الذين ابيضّت وجوههم باتّحاد الكلمة وعدم التّفرق في الدّين ، فهم خالدون في رحمة اللّه ، أي ماكثون في الجنّة أبدا ، لا يبغون عنها حولا . هذه الآيات : آيات اللّه وحججه وبيّناته نتلوها عليك يا محمد مقررة ما هو