وهبة الزحيلي

307

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أحمد عن ابن عباس : « من بنى للّه مسجدا ، ولو كمفحص قطاة لبيضها ، بنى اللّه له بيتا في الجنة » ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة . وقد ورد في السنة وفعل الصحابة الإقلال من المهور ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم لابن أبي حدرد ، وقد جاء يستعينه في مهره ، فسأل عنه ، فقال : مائتين ، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرّة « 1 » أو جبل » . وأرشد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يسر المهور وعدم التعالي في أحاديث أخرى منها : ما رواه أحمد والحاكم والبيهقي عن عائشة : « إنّ من يمن المرأة تيسير خطبتها ، وتيسير صداقها » . وأجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق ؛ لقوله تعالى : وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً واختلفوا في أقله ، وسيأتي عند قوله تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ . والصحيح أن قوله تعالى : فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً وقوله في سورة البقرة : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [ 2 / 229 ] محكم غير منسوخ ، لا يتعارض مع جواز أخذ عوض الخلع الذي تبذله المرأة بطواعية ورضا نفس ، وهو المنصوص عليه في قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . . [ البقرة 2 / 229 ] . قال أبو بكر الجصاص الرازي : ذكر الفراء أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول . فإذا كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة ، فقد منعت الآية أن يأخذ منها شيئا بعد الخلوة والطلاق ؛ لأن قوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ قد أفاد الفرقة والطلاق . وسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع من الوطء والدخول « 2 » .

--> ( 1 ) الحرة : أرض ذات حجارة نخرة سوداء . ( 2 ) أحكام القرآن : 2 / 111