وهبة الزحيلي
290
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وكان ذلك في مبدأ الأمر ، ثم جعل اللّه لهن سبيلا : الجلد والرجم . أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ، ثم أنزل اللّه تبارك وتعالى بعد ذلك : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور 24 / 2 ] فإن كانا محصنين رجما ، فهذا سبيلهما الذي جعل اللّه لهما . وأخرج مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولفظه : « خذوا عني ، خذوا عني ؛ قد جعل اللّه لهن سبيلا ؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » . واستقر رأي العلماء على أن الشطر الأخير من حديث عبادة منسوخ ، وأن السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد ، لصحة الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه رجم ولم يجلد ، فاستدلوا بما صح من فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على قوله في حديث عبادة . عقوبة الزناة : معنى الآية : الرجلان الزانيان اللذان يأتيان الفاحشة ، وهذا قول مجاهد ، أو الرجل والمرأة البكران اللذان يأتيان الفاحشة ، وهذا قول السدي وابن زيد ، فآذوهما بالقول وعيروهما ووبخوهما على فعلهما إذا لم يتوبا ، فإن تابا وأصلحا عملهما وغيّرا أحوالهما ، ورجعا عن فعل الفاحشة وندما ، فاتركوا إيذاءهما ، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له . ثم علل الأمر بالإعراض عنهما بقوله : إن اللّه كان توابا على عباده ، رحيما بهم . وليس المراد بالإعراض : الهجر ، ولكن المتاركة احتقارا لهم بسبب المعصية المتقدمة . والخطاب هنا لأولي الأمر الحكام ، والآية اشتملت على حكم الزانيات