وهبة الزحيلي

28

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

واستمرارا ، والمحافظة عليه في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه ، وليس معناه النهي عن الموت حتى يسلموا ، وإنما المطلوب هو التدين بالإسلام قبل مفاجأة الموت . ثم أمر بالاعتصام بكتاب اللّه وعهده الذي عهد به إلى الناس ، ونهى عن التفرق عنه أبدا ، والتزام الألفة والاجتماع على طاعة اللّه والرسول . وحبل اللّه : هو الإيمان والطاعة والعمل بالقرآن ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : فيما أخرجه الترمذي : « القرآن : حبل اللّه المتين ، ونوره المبين ، لا تنقضي عجائبه ، ولا تفنى غرائبه ، ولا يخلق على كثرة الردّ ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به رشد ، ومن اعتصم به ، هدي إلى صراط مستقيم » . ثم ذكّرهم بالنعمة العظمى التي أنعم بها على العرب وهي نعمة الوحدة والتجمع بعد التفرق ، والألفة بعد العداوة والخصام ، وقتل بعضهم بعضا ، وتسلط القوي على الضعيف ، والأخوة الإيمانية : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات 49 / 10 ] بعد الكفر والشرك ، والإشراف على حافة النار والهلاك بسبب الشرك والوثنية ، فصاروا سادة البشر وأساتذة العالم ، وأنقذهم اللّه بالإسلام من الدمار والهلاك : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم 14 / 34 ] . وقد كان بين العرب ومنهم الأوس والخزرج حروب كثيرة في الجاهلية ، وعداوة شديدة ، وضغائن وإحن ، طال بسببها قتالهم واقتتالهم ، فلما جاء اللّه بالإسلام ، فدخل فيه من دخل ، صاروا إخوانا متحابين بجلال اللّه متواصلين في ذات اللّه ، متعاونين على البر والتقوى ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ الأنفال 8 / 63 ] . مثل هذا البيان الناصع الذي بيّنه لكم ربكم في هذه الآيات لما يضمره اليهود