وهبة الزحيلي
222
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تقطعوها . ومن قرأه بالجر فقد قال الكوفيون : إنه معطوف على الهاء في بِهِ وأباه البصريون وقالوا : ولا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار ؛ لأن المضمر المجرور كالتنوين ، ولا يعطف على التنوين . ومنهم من قال : إنه مجرور بباء مقدرة لدلالة الأولى عليها . البلاغة : يوجد طباق بين قوله : رِجالًا وَنِساءً ويوجد إيجاز في قوله : رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي ونساء كثيرات . المفردات اللغوية : النَّاسُ اسم للجنس البشري ، واحده من غير لفظه : إنسان . اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي اتقوا عقابه بأن تطيعوه مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها حواء ، من ضلع من أضلاعه اليسرى وَبَثَّ فرق ونشر مِنْهُما من آدم وحواء من طريق التناسل والتوالد رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرات تَسائَلُونَ أي تتساءلون ، أي يسأل بعضكم بعضا بأن يقول : سألتك باللّه أن تفعل كذا ، وأسألك باللّه ، وأنشدك باللّه وَالْأَرْحامَ جمع رحم ، وهي هنا القرابة من جهة الأب أو الأم ، أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، والمراد : خافوا حق إضاعة الأرحام . ومن قرأ بالجر عطفه على الضمير في بِهِ وكانوا يتناشدون بالرحم رَقِيباً أي مشرفا والمراد : حافظا لأعمالكم ، فيجازيكم بها ، وهو لا يزال متصفا بذلك ، فهو الحفيظ المطلع العالم بكل شيء . التفسير والبيان : يأمر اللّه تعالى الناس العقلاء بتقواه بامتثال الأوامر واجتناب المنهيات في كل ماله صلة بعبادته وحده لا شريك له وبحقوق العباد ، ويؤكد الأمر بالتقوى بما يحمل على الامتثال ، بذكر الربوبية المضافة إلى المخاطبين التي تربيهم بنعمه وتفيض عليهم من إحسانه ، ثم ذكر لفظ اللّه في الأمر الثاني بالتقوى ، لأن اللّه علم المهابة والجلالة ، ثم التذكير بأنه خالقهم ، والتنبيه على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة ، فهم من أصل واحد كلهم لآدم وآدم من تراب ، وأنه خلق من تلك النفس زوجها وتناسل منهما البشر ذكورا وإناثا ، وجعل من تلك الذرية رابطة الأسرة القائمة على الرحم وصلة الدم والقرابة مما يدعوهم إلى التراحم