وهبة الزحيلي

194

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى [ القصص 28 / 60 ] وفي الحديث : « واللّه ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بم يرجع » « 1 » . وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة ، قال سعيد بن جبير : « إنما هذا لمن آثرها على الآخرة ، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ » « 2 » . فمن فضل الدنيا على الآخرة ، كان كمن اشترى صفقة خاسرة ، غشه فيها البائع ودلس عليه ، ثم تبين له فسادها ورداءتها . ثم أراد تعالى بعد غزوة أحد توطين النفس وتربيتها على تحمل الأهوال والشدائد والمصائب ، فخاطب النبي المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين مخبرا إياهم : أن الدنيا دار ابتلاء واختبار في الأنفس والأموال ؛ ففي الأنفس : بالقتل والأسر والجراح وأنواع المخاوف والمصائب ، وفي الأموال : بالإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات ، وهي مثل قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ البقرة 2 / 155 ] . وأن المسلمين ونبيهم يسمعون ما يؤذيهم أذى كثيرا من اليهود والنصارى ومشركي العرب ، والأذى قد يتناول الدين والقرآن والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولكن اللّه تعالى قال للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر ، مسليا لهم عما ينالهم من الأذى من هؤلاء ، وواصفا لهم العلاج الناجع وهو الصفح والصبر والعفو والتزام تقوى اللّه بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، فإن تحقق منهم ذلك آتاهم أجرين من رحمته ؛ لأن الصبر والتقوى من معزومات الأمور ، أي التي ينبغي أن يعزمها كل أحد .

--> ( 1 ) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة عن المستورد . ( 2 ) الكشاف : 1 / 366