وهبة الزحيلي
177
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إنهم لن يضروا أولياء اللّه وهم النبي وصحته شيئا من الضرر ، وإنما يضرون أنفسهم ، ويحاربون اللّه تعالى ويستعدونه عليهم والدائرة تكون عليهم ، ويحرمون من ثواب اللّه تعالى في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم لا يعرف قدره ، واللّه يعاقبهم على فعلهم لا يظلمهم ، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وضلالهم ومناصرتهم ملة الكفر ومقاومة المؤمنين : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ . [ فاطر 35 / 43 ] وهذا يدل على أنه لا يؤبه بهم ولا يخشى خطرهم . وهي مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ، لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ، مِنَ الَّذِينَ قالُوا : آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [ المائدة 5 / 41 ] . وهذا لا يقتصر عليهم ، وإنما هو حكم عام مقرر يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان ، لذا قال : إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا اللّه شيئا ، ولكن يضرون أنفسهم ، ولهم عذاب مؤلم شديد الألم في الدنيا والآخرة . وهي تشبه آية أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون 23 / 55 ] وآية : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ القلم 68 / 44 ] وآية : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا ، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة 9 / 85 ] . ثم بيّن تعالى استدراج الكافرين وإمهالهم لوقت معين ، فأخبر أنه لا يحسبن هؤلاء الكفار أن إمهالنا لهم وإطالة أعمارهم خير لأنفسهم ؛ لأنهم لا يستغلون العمر في عمل الخير ، وإنما يستغلونه في الشر ، فتكون عاقبتهم ازدياد الإثم على الإثم ، والمبالغة في الباطل والبهتان ، ولهم عذاب مهين : ذو إهانة وإذلال لهم ، أي إنما هو معدّ لهم . ولا يظنن الكفار أن إمهالنا يقصد به ازدياد الإثم كما يفعلون ، وإنما الإمهال