وهبة الزحيلي
165
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
غاية القرب ، لا عندية مكان ومسافة وقرب وحدود . والحياة التي أثبتها القرآن الكريم للشهداء حياة غيبية ، لا ندرك حقيقتها ، ونؤمن بها كما أخبر القرآن ، وقوله : عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فيه حذف مضاف : تقديره : عند كرامة ربهم . وهؤلاء الشهداء مسرورون بما رأوه من نعيم مقيم وفضل كبير ، وتفضيل على غيرهم ، بسبب الشهادة ، وهم مسرورون أيضا بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد في سبيل اللّه ، وإنما هم على الطريق سائرون يقتفون أثر من تقدمهم من قوافل الشهداء ، حينما رأوا ما أعد لهم من الجزاء الحسن ، وهو الحياة الأبدية والنعيم الدائم الذي لا يكدره خوف من مكروه ولا حزن على ما فات . وهم يفرحون أيضا بما يتجدد لهم من الثواب على عملهم والرزق والفضل الإلهي الذي يؤتيهم اللّه من الجنة ونعيمها - والفضل في هذه الآية : هو النعيم المذكور - وأن اللّه يأجرهم ، أي أنهم يستبشرون بنعمة من اللّه ، ويستبشرون بأن اللّه لا يضيع أجر المؤمنين . وهذه الجملة بيان وتفسير لما تقدمها : أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ؛ لأن من كان في نعمة اللّه وفضله لا يحزن أبدا ، ومن كانت أعماله مدخرا ثوابها لا يخاف العاقبة . وذلك تحريض على الجهاد وترغيب في الاستشهاد . روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لما أصيب إخوانكم يوم أحد ، جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب ، في ظل العرش . . » إلخ الحديث المتقدم . ثم وصفهم اللّه بحسن أعمالهم الذي هو سبب زيادة ثوابهم ، فأخبر تعالى أن هؤلاء المجاهدين الذين استجابوا لدعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالذهاب للقاء أبي سفيان في