وهبة الزحيلي
15
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الوصول إلى الحرم ، سواء أكان بدنيا أم ماليا أم بدنيا وماليا ، فالبدني : كالمرض والخوف على النفس من العدو ومن السّباع ، أي ألا يكون الطريق مأمونا . والمالي كفقد الزّاد والرّاحلة إذا كان ممن يتعسّر عليه الوصول إلى البيت إلا بزاد وراحلة . والبدني والمالي معا : فقد الزّاد والراحلة والمرض أو عدم أمن الطريق . وقد اتّفق أكثر العلماء على أنّ الزّاد والرّاحلة شرطان في الاستطاعة ، بدليل ما رواه علي عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال فيما رواه الترمذي من حديث ضعيف : « من ملك زادا وراحلة تبلّغه بيت اللّه ، ولم يحجّ ، فلا عليه أن يموت يهوديّا أو نصرانيّا » ، وذلك أن اللّه تعالى يقول في كتابه : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . وفسّر الصحابة كابن عمر وغيره استطاعة السبيل : بالزّاد والرّاحلة . وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ أي من جحد كون هذا البيت أول بيت وضع للعبادة ، ولم يمتثل أمر اللّه في الحجّ ، فإن اللّه غير محتاج إليه ، إذ هو الغني عن جميع العالمين . والجمهور حملوا ذلك على تارك الحجّ إعراضا عنه مع توافر الاستطاعة ، بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الترمذي وفيه ضعف : « من مات ولم يحجّ ، فليمت إن شاء يهوديّا أو نصرانيّا » . وبدليل ما روي عن الضّحّاك في سبب النزول قال : لما نزلت آية الحج جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الأديان الستّة : المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمشركين والمجوس وقال فيما رواه أحمد وسلم والنسائي : « إنّ اللّه كتب عليكم الحج ، فحجّوا » فآمن به المسلمون ، وكفر به الباقون ، وقالوا : لا نؤمن به ولا نصلّي ولا نحجّ ، فأنزل اللّه قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . والغرض من الآية والأخبار التنفير من ترك الحجّ والتغليظ على المستطيعين حتى يؤدّوا الفريضة .