وهبة الزحيلي
149
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أعمالهم ، لا يظلمهم خيرا ، ولا يزيدهم شرا ، بل يجازي كل عامل بعمله . ثم بيّن تعالى ما امتن وتفضل به على الناس ، فأرسل نبيه محمدا متصفا بأوصاف ومكلفا بمهام هي : - إنه عربي من ولد إسماعيل من جنس قومه ، مما يدعوهم إلى الاهتداء به والثقة برسالته ، فضلا عن أنهم شرفوا به ، كما قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف 43 / 44 ] وتخصيصهم بالذكر يقتضيهم مزيد الانتفاع به ، وإن كان هو للناس كافة ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء 21 / 107 ] . - إنه يتلو عليهم آيات اللّه الدالة على قدرته ووحدانيته وعلمه وكمال أوصافه ، كما أشار تعالى في آية : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ آل عمران 3 / 190 ] . - إنه يزكيهم ويطهرهم من زيف الوثنية وفساد العقيدة الجاهلية ، كاعتقادهم بتأثير الأصنام والأحجار ، وبدلالة الطير ، وغير ذلك من الأوهام والخرافات ، وينقلهم إلى معطيات العقل الصحيح والفكر الناضج ، والمدنية والحضارة ، وإقامة الدولة والإدارة والسياسة التي تفاخر العالم وتنافس المجتمع الدولي القائم ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم . - إنه يعلمهم القرآن والسنة ، فيصبح منهم العلماء والكتاب والحكماء والقادة وأساتذة العلوم والمعارف والثقافات المتنوعة ، وإن كانوا من قبل هذا الرسول لفي غي وجهل ظاهر ، إذ كانوا أمة أمية ، فأصبحوا بنور الإسلام ، وعلم القرآن ، ومعرفة الحياة أمة متمدنة متحضرة نافست الأمم الأخرى وسبقتهم .