وهبة الزحيلي
146
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
هُمْ دَرَجاتٌ أصحاب درجات عِنْدَ اللَّهِ أي مختلفو المنازل ، فلمن اتبع رضوانه الثواب ، ولمن باء بسخطه العقاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ أي يشاهد ويرى كل شيء . لَقَدْ مَنَّ أنعم وتفضل مِنْ أَنْفُسِهِمْ عربيا من جنسهم ، ليفقهوا كلامه ويشرفوا به . وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الذنوب وأدران الوثنية والعقيدة الفاسدة الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ السنة النبوية مِنْ قَبْلُ أي قبل بعثته لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ضلال بيّن واضح لا ريب فيه . سبب النزول : أخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء ، افتقدت يوم بدر ، فقال بعض الناس : لعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذها ، فأنزل اللّه : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ . وقال الكلبي ومقاتل : إن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد ، طلبا للغنيمة ، وقالوا : نخشى أن يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من أخذ شيئا من مغنم فهو له ، وألا يقسم الغنائم ، كما لم يقسمها يوم بدر ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : « ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا ، فقال لهم : بل ظننتم أنّا نغل ولا نقسم » « 1 » . التفسير والبيان : تتابع الآيات في بيان صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومهامه في إصلاح أمته ، فما كان من شأنه أن يخون ، بل وما كان لنبي أن يخون ؛ لأن اللّه عصم أنبياءهم عما لا يليق بمقامهم ؛ لأن النبوة منزلة عالية تربأ بصاحبها عن فعل ما فيه دناءة وخسة ، مما يدل على هول الاتهام والخطأ الصادر من المنافقين بنسبة الخيانة والغلول من المغنم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو منه براء .
--> ( 1 ) أسباب النزول للواحدي : ص 72 - 73