وهبة الزحيلي
142
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فإذا عزمت فتوكل على اللّه ، أي إذا شاورتهم في الأمر ، وعزمت عليه ، فتوكل على اللّه فيه ، إن اللّه يحب المتوكلين عليه الواثقين به ، فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه الخير لهم . وليس معنى التوكل هو التواكل وإهمال الأسباب ، وإنما هو حسن الاعتماد على اللّه والثقة به وتفويض النتائج إليه ، بعد اتخاذ الأسباب . قال الرازي : دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال ، وإلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل ، بل التوكل عليه أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ، ولكن لا يعوّل بقلبه عليها ، بل يعول على عصمة الحكمة . ففي الكسب والمعاش لا بد من السعي في الأرض ، كما قال تعالى : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [ الملك 67 / 15 ] . وفي السياسة والحرب يجب الانتباه والحذر والإعداد المكافئ لقوى العدو : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [ النساء 4 / 71 ] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ الأنفال 8 / 60 ] . ومن أجل الدنيا والآخرة لا بد من الصلاح والاستقامة والتزود بالتقوى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة 2 / 197 ] . وفي كل شيء يكون التوكل مقرونا بالسعي ، روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة : « لو أنكم توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا ، وتروح بطانا » و أخرج ابن حبان في صحيحة : « حديث الرجل الذي جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأراد أن يترك ناقته ، وقال : أأعقلها وأتوكل ، أو أطلقها وأتوكل ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : اعقلها وتوكل » . ثم أعلن اللّه تعالى عن مصدر النصر في الحقيقة فأخبر أنه إن أراد اللّه أن ينصركم في أحد ، كما نصركم في بدر ، حين التزمتم الطاعة ، وثبتم ، واتكلتم على