وهبة الزحيلي

140

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

رَحِيمٌ [ التوبة 9 / 128 ] . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا حلم أحبّ إلى اللّه تعالى من حلم إمام ورفقه ، ولا جهل أبغض إلى اللّه من جهل إمام وخرقه » . ولو كنت غليظ الكلام خشنا قاسي القلب جافّ الطبع في معاملتهم ، لتفرقوا من حولك ، وتركوك ، ولكن اللّه جمعهم عليك ، وألان جانبك لهم ، تأليفا لقلوبهم ، كما قال عبد اللّه بن عمرو : « إني أرى صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخّاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح » وروى محمد بن إسماعيل الترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه أمرني بمداراة الناس ، كما أمرني بإقامة الفرائض » « 1 » . وإذا كنت يا محمد بهذه الأخلاق فاعف عنهم ، وتجاوز عما صدر منهم ، واطلب لهم المغفرة من اللّه حتى يغفر لهم ، وشاورهم في أمور السياسة العامة ومصالح الأمة في الحرب والسلم ، وكل شؤون المصالح الدنيوية . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعلا يشاور أصحابه في الأمور كلها ، تطييبا لقلوبهم ، وليستن الناس بفعله ، قال الحسن رضي اللّه عنه : قد علم اللّه أن ما به إليهم حاجة ، ولكن أراد أن يستنّ به من بعدهم . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما ذكره الماوردي : « ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم » وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه فيما رواه الترمذي : « لم يكن أحد أكثر مشاورة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . - شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير ، فقالوا : يا رسول اللّه ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا

--> ( 1 ) حديث غريب .