وهبة الزحيلي

137

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : يحرص القرآن الكريم على بروز الشخصية الذاتية للمسلمين ، وعلى تعهدهم بالرعاية والعناية ، وإيجاد الموقف المتميز لهم أمام خصوم الدعوة الإسلامية ، لذا حذرهم ونهاهم من أن يقولوا مثل قول المنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعثها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بئر معونة . فالحياة والموت بيد اللّه ، واللّه واسع العلم نافذ البصر بأعمال الناس وخفاياهم ، فمن الخطأ القول بأن الشخص لو كان في منزله أو بلده ما مات ولا قتل ؛ لأن القعود عن الجهاد لا يحفظ الحياة ، وكذا التعرض لقتال الأعداء لا يسلب الحياة ولا يعجل بالموت . لا تكونوا مثلهم ، ليجعل اللّه ذلك القول حسرة في قلوبهم ؛ لأنه ظهر نفاقهم . واللّه يقدر أن يحيي من يخرج إلى القتال ، ويميت من أقام في أهله ، فذلك تهديد للمؤمنين حتى لا يتشبهوا بالكفار في أقوالهم وأفعالهم . ثم أخبر اللّه تعالى أن القتل في سبيل اللّه والموت فيه خير من جميع الدنيا ، ثم وعظ المؤمنين بقوله : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ أي لا تفرّوا من القتال ومما أمركم به ، بل فرّوا من عقابه وأليم عذابه ، فإن مردّكم إليه ، لا يملك لكم أحد ضرّا ولا نفعا غيره . والخلاصة : إن الآيات تضمنت تحذيرا أو تهديدا للمؤمنين ، ووعدا ، وحثا على العمل والجهاد . أما التحذير فهو من مشابهة الكافرين بأقوالهم وأفعالهم ، وأما الوعد فهو أن ما ينتظره المؤمن المقاتل في سبيل اللّه من مغفرة الذنوب ورحمة اللّه التي ترفع الدرجة خير له من الدنيا وما فيها من لذات وشهوات . وأما الحث على العمل في سبيل اللّه وبث روح التضحية والجهاد فهو مفهوم