وهبة الزحيلي

135

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أَوْ كانُوا غُزًّى أي مقاتلين في الحرب ، واحدهم غاز لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ القول في عاقبة أمرهم حَسْرَةً ندامة في قلوبهم . وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ فلا يمنع الموت قعود . المناسبة : حذر اللّه تعالى في الآية السابقة من وسوسة الشياطين التي أدت إلى الهزيمة يوم أحد ، وحذر هنا من وسواس المنافقين أعوان الشياطين . التفسير والبيان : ينهى اللّه تعالى عباده المؤمنين ويحذرهم من مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الذي وضح بقولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب : لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم . يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن إخوانهم حين سافروا في البلاد للتجارة فماتوا ، أو كانوا غزاة محاربين فقتلوا : لو كانوا باقين عندنا ما ماتوا وما قتلوا . لأن هذا جهل في الدين وضلال في الإيمان ؛ لأن الحياة والموت بيد اللّه ، كما قال : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [ آل عمران 3 / 145 ] . والقضاء والقدر لا يجعلان الإنسان مجبورا على أفعاله ؛ لأن القضاء : معناه تعلق العلم الإلهي بالشيء ، والعلم انكشاف وإحاطة بالشيء لا يقتضي الإلزام ؛ والقدر : وقوع الشيء بحسب العلم ، وعلم اللّه لا يكون إلا مطابقا للواقع ، وإلا كان جهلا . والإنسان مختار في أعماله ، لكنه ناقص القدرة والإرادة والعلم ، وله حدود لا يتعداها ، فقد يعزم على شيء أو يختار عملا ، ولكنه لا يحيط علما بأسباب الموت . ومتى وقع الشيء علم أن وقوعه لا بد منه ، وإذا كان الإنسان مؤمنا بمعونة اللّه وتأييده وأنه يوفقه إلى ما يجهل من أسباب سعادته ، يكون مع أخذه بالأسباب أنشط في العمل وأبعد عن العثرات والفشل .