وهبة الزحيلي

129

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والجماعة - ، وهم المهاجرون وعامة الأنصار الذين كانوا على بصيرة في إيمانهم ، كما قال ابن عباس ، أو هم أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل على اللّه ، وهم الجازمون بأنّ اللّه سينصر رسوله ، وينجز مأموله . وطائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم أي حملتهم على الهم ، وملأ الخوف قلوبهم ، لعدم ثقتهم بنصر اللّه ، ولعدم إيمانهم بالرسول ، وهم جماعة من المنافقين كعبد اللّه بن أبي ومعتّب بن قشير وأتباعهم ، لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ، ولا يهتمون بأمر الرسول والدين ، وهم كما أخبر اللّه : يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظنوه ؛ إذ قالوا : لو كان محمد نبيا حقا ما تسلط عليه الكفار ، وهو قول أهل الشرك باللّه . وهذه الطائفة الثانية يسألون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هل لنا من الأمر والنصر والفتح نصيب ؟ يعنون أنه ليس لهم من ذلك شيء ؛ لأنهم يعتقدون أن هذا ليس بحق . وهذا سبب خطئهم الفاحش ، فإن نصر اللّه رسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالا ، والمهم تمام الأمر والعاقبة . فرد اللّه تعالى عليهم : بأن كل أمر يجري فهو بحسب سنته تعالى في الخليقة ، تلك السنة القائمة على ربط الأسباب بالمسببات ، وأن الأمر والنصر كله للّه ، لا لغيره ، وهو ناصر عباده المؤمنين كما وعدهم بقوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة 58 / 21 ] وقوله : وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات 37 / 173 ] . وهؤلاء المنافقون يضمرون في أنفسهم العداوة والحقد ، ويتساءلون في الظاهر سؤال المؤمنين المسترشدين : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ لكنهم يبطنون الإنكار والتكذيب والنفاق . ويقولون في أنفسهم أو لبعضهم بعضا منكرين لقولك لهم : إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ