وهبة الزحيلي
101
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وبصدد ذلك ذكر أضداد الشّهداء تنويها بإخلاصهم ، فقال تعالى : واللّه يعاقب الظالمين الكافرين ، بسبب ظلمهم أنفسهم وفسادهم في الأرض ، وبغيهم على الناس ، ويعجل زوال دولتهم وسلطتهم ، لأن الظلم لا بقاء له . ثم أكّد اللّه تعالى أنّ المعارك مجالات كشف وإبراز وتطهير ، ففيها يتميّز المؤمنون الصادقون عن المنافقين ، وبها عرف صدق الإيمان وصلابة العزيمة والثبات عند الابتلاء ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ آل عمران 3 / 143 ] ، ففي غزوة أحد تراجع المنافقون ولا ذوا بالفرار ، بل إن بعض المؤمنين في أثناء المعركة هرب ، وثبت الآخرون حول النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتبيّن أن تمنيات اللقاء مع العدو مجرد آمال لا قرار ولا ثبات لها ، وقد ثبت في الصحيحين : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا اللّه العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف » . ومن فوائد المعارك أيضا تبيان حال الكفار ، فهم إن ظفروا كما في أحد بغوا وبطروا ، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم ، فلا بقاء ولا استمرار لهم ، ولا ثبات لأحوالهم أمام المؤمنين الصادقين . وإذا هزموا كما في بدر عاجلهم اللّه بالدّمار والفناء ، والعاقبة للمتّقين . وقد وردت آيات كثيرة في معنى هذه الآيات منها : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ ، وَزُلْزِلُوا . . . [ البقرة 2 / 214 ] ، ومنها : ألم ، أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا : آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت 29 / 1 - 2 ] ، ومنها الآية التالية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل عمران 3 / 142 ] .