وهبة الزحيلي
75
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : أرشدت الآية السابقة المؤمنين إلى إعطاء الفقراء عامة ، مسلمين وغير مسلمين ، وصرحت هذه الآية بإباحة صدقة التطوع لغير المسلمين ، سواء أكانوا مشركين أم من أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) ؛ لأن اللّه تعالى يرزق المؤمن والكافر من خير الدنيا ، وشأن المؤمن أن يتخلّق بأخلاق اللّه ، وأن يكون خيره عاما للناس ؛ إشعارا بحبّ الخير والنّفع للبشرية ، وإدلالا على توافر صفة الرحمة والمحبة في قلب المسلم لكل إنسان ، وإبعادا للعصبية الدّينية التي من شأنها التهديم والتفريق والفتنة ، وزرع الأحقاد والضغائن ، والتنفير من قبول الإسلام ذاته القائم على التسامح ، وترك أمر الهداية للدين للّه تعالى ، فإن الهداية من اللّه ، وتقتضي الشفقة إعطاء المحتاج أيّا كان دينه . التفسير والبيان : ليس عليك أو لا يجب عليك يا محمد أن تقود الناس إلى هداية الإسلام كرها ، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى الدين فقط ، فتبشر من أطاع بالجنة ، وتنذر من عصى بالنار ، وأمر الهداية بمعنى التوفيق إلى الخير والسعادة والاهتداء إلى الإسلام مردّه إلى اللّه ، بما وضع في النفوس من العقول ، وما أبانه لهم من سنن وأدلّة ترشدهم إلى الدين الحق ، فأمر يا محمد بالصدقة إلى كل من سألها من كل دين . وثواب الصدقة وإنفاق المال في سبيل اللّه عائد بذاته لأنفسكم ، ولا ينتفع به غيركم في الدنيا والآخرة . أما في الدّنيا فيصون المال ، ويحصّن الثروة ، ويحميكم من أذى الفقراء بالنّهب والسلب والسرقة ؛ لأن الجائع يستبيح لنفسه كل شيء . وأما في الآخرة فثوابه لكم بدخول الجنة وتكفير بعض السيئات والذنوب . وإنكم لا تنفقون إلا طلبا لرضوان اللّه ، لا لمصلحة دنيوية أو لإرضاء