وهبة الزحيلي
59
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : بيّن اللّه سبحانه وتعالى في الآيات السابقة ما يجب أن يتصف به المنفق عند الإنفاق من الإخلاص للّه ، وقصد تزكية النفس ، والبعد عن الرياء ، وما يجب أن يتحلى به بعد الإنفاق من البعد عن المن والأذى . ثم بين تعالى هنا صفة المال المبذول : وهو أن يكون من جيد الأموال . التفسير والبيان : يا من اتصفتم بالإيمان آمركم أن تنفقوا الطيب الجيد من الأموال ، سواء أكان نقودا أم ماشية أم حبوبا وزروعا أم سلعا تجارية وغيرها ، كالمعادن والكنوز والركاز ( دفين الجاهلية ) ، كقوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران 3 / 92 ] وأنهاكم أن تقصدوا إلى الخبيث الرديء من أموالكم ، فتنفقونه ، فإن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا ، ولا يقبل ما تكرهه نفوسكم . والخبيث ينطلق على معنيين : أحدهما - ما لا منفعة فيه ، كما في حديث الشيخين : « كما ينفي الكير خبث الحديد » والثاني - ما تنكره النفس ، وهو مقصود الآية : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ . وكيف يروق لكم أن تتصدقوا بالخبيث الرديء ، ولا ترضون ذلك لأنفسكم إلا أن تتساهلوا وتتسامحوا فيه تساهل من غض بصره عن شيء فلم ير العيب فيه ، ولو كان لأحدكم حق أو دين ، فجاءكم دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم ؟ ! فحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه . واعملوا أن اللّه - وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها - فهو غني عنها وعن إنفاقكم وغني عن جميع خلقه ، وإنما يأمركم به لمنفعتكم ، ولتحقيق المساواة بين الغني والفقير ، وليختبركم فيما تنفقون ، فلا تتقربوا إليه بالرديء ، وهو أيضا