وهبة الزحيلي
50
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
10 - كره الإمام مالك لهذه الآية : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه ، لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء ، ويظهر منّته عليهم ، ويكافئوه عليها ، فلا تخلص لوجه اللّه تعالى . واستحب أن يعطيها الأجانب ، وأن يولّي غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا ، لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى . وهذا بخلاف صدقة التطوع السرّية ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد ، وصار في حكم من لم يفعل ، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه ، لكونه في حكم من لم يفعل . 11 - صاحب المن والأذى مثل المرائي المنافق ، عمل كل منهما باطل لا فائدة فيه ، ولا فضل له ، ولا دوام لأثره . وإنما ينمحي بسرعة ، كما تعصف الرياح بالغبار الموجود على الحجارة أو الصخور الصلبة الملساء ، وتعد أفعال المرائي الواجبة أو الخيرية من صلاة وصيام وتطوع كلها باطلة ، لا تجاه قلبه إلى من يرائيه ، لا إلى اللّه الصمد الذي يستحق العبادة دون سواه . ويوصف كل من المرائي والمنّان أيضا بأنه لا يؤمن حقا باللّه ولا باليوم الآخر ؛ لأن قصده من فعله مدح الناس له ، أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكره الناس أو ليقال : إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية . ولا يقدر المرائي الكافر والمانّ على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم ، عند حاجتهم إليه ؛ إذ كان لغير اللّه ، فعبّر عن النفقة بالكسب ؛ لأنهم قصدوا بها الكسب . وفي قوله تعالى : لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى من صفات الكافرين ، لا المؤمنين ، فلا ينبغي للمؤمنين الاتصاف بها ، وعليهم تجنبها ؛ لأن الإخلاص للّه هو من صفات الإيمان ، قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة 98 / 5 ] .