وهبة الزحيلي

38

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وخلاصة القصّة : كان إبراهيم عليه السلام محبّا للاستطلاع ، فلما أوحى اللّه تعالى إليه أنه سيحيي الموتى ويحشرهم يوم القيامة ، ليجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، فأحبّ أن يرى ميتا عاد حيّا ، فسأل اللّه ذلك ، ليطمئن قلبه ، فأمره اللّه تعالى أن يأخذ أربعة طيور ، فيذبحها ، ويفرّق أجزاءها على الجبال ، ثم يدعوها إليه ، وحينئذ يرى كيف يعود الميت حيّا ، ففعل ودعا الطيور إليه ، فجاءت صحيحة ، كأنها لم تمت أصلا . فقه الحياة أو الأحكام : هذه القصة دليل آخر على إثبات قدرة اللّه على إحياء الموتى ، مهما تلاشت أجزاؤها ، وتفتت ذراتها ، وتطاول الزمان على موتها . ولم يكن إبراهيم عليه السلام شاكّا في القدرة الإلهية على ذلك ، وإنما ليثبت الاعتقاد بالتجربة الحسيّة أو الخبر والمعاينة ، وهذا يشير إلى أهمية العلم التجريبي ، والاختبارات العملية ، لمعرفة كيفية تركيب الأشياء . ولا يجوز على الأنبياء صلوات اللّه عليهم مثل هذا الشّك ، فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث ، وقد أخبر اللّه تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل ، فقال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الإسراء 17 / 65 ] ، وقال الشيطان : إلا عبادك منهم المخلصين ، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة ، فكيف يشككهم ؟ ! وإنما سأل إبراهيم عليه السلام أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها ، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين ، فقوله : أَرِنِي كَيْفَ طلب مشاهدة الكيفية ، وليس اختبار القدرة الإلهية على الإحياء أو الإنشاء . ثم إنه طلب طمأنينة القلب : وهي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد ،